وضع داكن
26-07-2026
Logo
الخطبة : 1049 - نحن أمة ينقصنا الوعي - الدعوة وسيلة لحل مشكلات الأمة - البورصة.
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخطبة الأولى:

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهدهِ الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلن تجد له وليّاً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمَن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سَمِعَت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومَن والاه ومَن تَبِعه إلى يوم الدين.
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا عِلماً، وأرِنا الحقَّ حقَّاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات. 

مقدمة: ليس الدين عبادات شعائرية:


أيُّها الإخوة الكرام: انطلاقاً من حقيقةٍ في الدين: أنَّ كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، ليس الدين عباداتٍ شعائريةً فقط، ولكن الدين منهجٌ كامل، يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، انطلاقاً من قوله تعالى:

﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (143)﴾

[ سورة البقرة  ]

معنى (وَسَطًا) هُنا أي: أنتم وسطاء بيني وبين خَلقي (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) .
إذاً: الله عزَّ وجل أناط بالمسلمين مهمة نشر هذه الرسالة، ولا شكَّ في هذا، ولا يختلف على هذا اثنان في العالَم الإسلامي، أناط الله بنا أُمة العرب، أن ننشُر هذه الرسالة بين الأُمم، وكان فيما مضى لنا دورٌ قيادي. 

هل نستطيع أن نُقنِع أحداً بديننا إذا كنّا متخلفين؟ 


أهمية الوعي في حياتنا:

الآن أنطلِق من الحقيقة المُرَّة، هل نستطيع أن نُقنِع أحداً بديننا إذا كنّا متخلّفين؟ 
للتوضيح: طبيبٌ وزنه فوق الحد المُعتدِل، وكلما جاءه مريضٌ يقول له: خفِّف وزنك، ومارِس الرياضة، واترُك بعض الوجبات، واستخدم من الطعام الخضراوات والفواكه، ودعكَ من الأكلات الدسمة، هذا الطبيب الذي وزنه غير معقول، ويأكل الأكلات الدسمة، ولا يتحرك، هل بإمكانه أن يُقنِع أحداً بهذا الكلام؟
هذا مَثلٌ للتبسيط، فإذا كان عندنا مشكلاتٌ كبيرةٌ جداً، إذا كان عندنا سلبيات، إن كان بأسُنا بيننا، إن كنّا مُختلفين دائماً حتى إسالة الدماء كما تَرون، إن كانت البِطالة فينا مرتفعة، إن كانت العنوسة فينا مرتفعة، إذا كانت الأُميَّة فينا مرتفعة، إذا كان كل شيءٍ نأكله نستورده، وكل آلةٍ نستخدمها نستوردها، هل نستطيع أن نُقنِع أحداً بهذا الدين؟ لن نستطيع إطلاقاً. 

أمثلة من واقعنا المعاشي لعدم الوعي والإهمال:


1 – عدمُ ترشيد استهلاك الكهرباء:

أيُّها الإخوة: قبل أيامٍ وفي بادرةٍ طيِّبةٍ جداً، عُقِدَت ندوةٌ في أحد مساجد دمشق، وقد سُجِّلَت، وسوف تُبَث لاحقاً، حضر هذه الندوة المسؤولون عن المياه والكهرباء في هذا البلد، وذكروا كلاماً والله الذي لا إله إلا هو من شدِّة عجبي يكاد لا يُصدَّق، الذي أتمناه أن أوضِّح لكم، نحن أُمةٌ ليست مُتقدِّمة، مُتحضِّرةٌ بهذا الدين لكنها ليست متطورة، ونحن أفضل ألف مرة من أُمةٍ مُتطورةٍ لكنها متوحشة، هناك أُممٌ الآن مُتطورةٌ تطوراً مذهلاً لكنها متوحشة، نحن قَدَرُنا أننا أُمةٌ ليست مُتطورة، نُعاني من مشكلاتٍ لا تُعَد ولا تُحصى، هذا قَدَرُنا، ولكن هل مِن قَدرِنا عدم وعيِّنا؟ الوعي بيَدِنا، فمن هذه الحقائق التي سمِعتُها:
نحن في القطر عندنا أربعة ملايين وخمسمئة ألف مشترك، كلُّ واحدٍ عنده ساعةٌ حسابيةٌ للكهرباء، إذا كل بيتٍ أطفأ مصباحاً استطاعته مئة واط، نستغني عن أكبر مولِّدة، ونستغني عن انقطاع الكهرباء، والمولِّدة ثمنها خمسمئة مليون دولار، وتستهلك نصف ثمنها وقوداً كل عام، تصوَّر أنَّ الحل بأن تُطفئ مصباحاً استطاعته مئة شمعةٍ فقط، وهذا على مستوى القطر، حتى نوفِّر شراء مولِّدة ثمنها خمسمئة مليون دولار، وتستهلك من الوقود نصف ثمنها كل عام، إلى هذه الدرجة ما عندنا وعيٌ؟! غرفة لا يوجد فيها أحد تجد فيها مصابيح مُتألِّقة!
الدولة تشتري مولِّدة وتُضيفها على الضرائب، أليس كذلك؟ هذا الواقع، وهذا الذي يحصل، نحن نفتقِد لحالةٍ أنه ما عندنا انتماءٌ للمجموع، كلُّ واحدٍ مُنتمٍ لذاته، دخله جيد فيستهلك الكهرباء بلا حساب، ما عندنا انتماءٌ للمجموع، وسوف ندفع الثمن باهظاً.
هل الدين قاصرٌ على أن تقرأ كتابُ فقهٍ؟ هل الدين قاصرٌ على أن تُصلّي فقط؟ أمّا أن نُعاني من قطع الكهرباء، وقد تستمر إلى سنواتٍ طويلة، أحياناً تنقطع الكهرباء لمدة عشرِ ساعاتٍ، لهذا السبب حضرت الندوة، وألقيت كلاماً طيِّباً فيها، وسوف تُبَث إن شاء الله.
لكن الذي لفَتَ نظري، أنَّ المواطن إذا انتمى إلى المجموع، وأطفأ مصباحاً استطاعته مئة واطٍ فقط، نوفِّر مولِّدة كهرباء تعمل على مادة الفيول، وثمنها خمسمئة مليون دولار، وتستهلك وقود كل سنة نصف ثمنها، ما الذي يمنَع أن نُرشِّد استهلاك الكهرباء؟ المسؤول عن الكهرباء وهو أحد إخوتنا الكرام، أقسمَ بالله لو أطفأ كلُّ مواطنٍ مصباح مئة شمعةٍ، فلن تنقطع الكهرباء إطلاقاً، ليس هناك وعيٌ، نحن فقراء، نعم، ومن الدول النامية، نعم وهذا قَدرُنا، لكن لهذه الدرجة يكون الوعي ضعيفاً!
الذي سمعته في الندوة، أنَّ هناك مصابيح توفير طاقة، تُعطي مئةً وثلاثين شمعةً، واستهلاكها عشرون شمعةً فقط، طبعاً ثمنها أغلى من المصباح العادي، لكن أنت توفِّر مبالغ طائلة في الكهرباء، توفِّر عليك، وتوفِّر على الدولة عدم قطع الكهرباء.
أنا الذي يُحيِّرني أنَّ الدول الغنية العملاقة فيها ترشيد استهلاك، الدول الغنية التي لها دخلٌ فلكي، التي فيها نفطٌ بمئات ألوف البراميل يومياً، أنا أستمع إلى إعلاناتٍ مستمرة لترشيد استهلاك الكهرباء، أنا أقول: هذا من الدين.
أيُّها الإخوة الكرام: نحن ألِفنا أنك عندما تُصلّي قيام الليل تأتيك نشوةٌ إيمانية، شيءٌ جميل، الناس نيام وغارقون في النوم، أنت وحدك استيقظت، وصلّيت ركعتين، وقرأت صفحتين من كتاب الله، وخشعت وبكيت، هذا شيءٌ رائعٌ جداً، أنت حينما تدفع مبلغاً لفقيرٍ تقتطعه من مصروفك، هذا شيءٌ جميلٌ جداً، تأتيك نشوةٌ إيمانية، أنا أتمنّى أن تأتيك هذه النشوة، حينما توفِّر في استهلاك الكهرباء مراعاةً لإخوانك.
والذي يحصَل أحياناً وهذا ليس سِرَّاً، أن العاصمة مميزة، لكن الانقطاع يكون في الريف أحياناً يصل لعشرِ ساعاتٍ، معنى هذا أنك حرمت أخاك الساكن خارج دمشق من الكهرباء عشر ساعاتٍ، فإذا كان الجوُّ حارَّاً لم يعُد باستطاعته استخدام المروحة، وإذا كان عنده طعامٌ في الثلاجة يفسُد، من أجل أن تُبقي غرفةً فيها مصباحٌ متألِّقٌ، أو تستخدم مصابيح تقليدية، استهلاكها مئةُ شمعةٍ وتُعطيك مئةُ شمعة، والآن هناك مصابيح توفير طاقة، تُعطيك مئةً وثلاثين شمعةً واستهلاكها عشرون شمعةً فقط، هذا هو الدين، الدين أن تنتمي للمجموع، لا أن تستهلك الكهرباء وأنت في العاصمة على ذوقك، وخارج دمشق يعانون من انقطاع الكهرباء، هُنا في العاصمة عندنا سفارات، وعندنا مسؤولين، فلا بُدَّ أن تُراعي أنك حينما تستهلك الكهرباء بغير ترشيدٍ، فإنك ستحرِم الآخرين، هذا من الدين.
يجب أن تأتيك نشوةٌ إيمانية حينما تضبِط إنفاق الكهرباء، هذه واحدة، وأيُّ بيتٍ فيه تسخين الماء بالكهرباء، تزيد الفاتورة فيه ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف ليرة عن قيمة الفاتورة، أنا في هذا البيت الذي كنت أسكنه، ركّبت جهاز طاقةٍ شمسيةٍ للماء الساخن، تأخُذ الماء الساخن اثني عشر شهراً مجاناً، ستقول لي: ثمنه غالٍ، ستة وثلاثون ألف ليرة، لكن وفّرت كل شهرٍ ثلاثة آلاف، معنى ذلك خلال سنة واحدة توفِّر ثمنه، الماء الساخن حاجةٌ حضارية، هذا الذي سمعته، وأنا أنقُل لكم ما سمعت، لأنني تأثّرت تأثُّراً بالغاً فيما سمعت.
أيُّها الإخوة الكرام: هل تُصدِّقون أننا نستورد في كل عامٍ ثلاثة ملايين طن من مادة الفيول، من أجل المولِّدات، وثمنهم مئتان وخمسون مليار ليرة، كل ثمن الكهرباء لا يساوي هذا الرقم، عندنا خسارة كل سنة خمسةً وعشرين مليار ليرة، كل إنتاج الكهرباء وتحصيل الفواتير لا يساوي هذا المبلغ، هذا الذي سمعته، وأنقل لكم ما سمعت، تحقيقاً للمنفعة إن شاء الله.
فأنت إن لم تُرشِّد استهلاك الكهرباء ستدفع الضرائب، فتغلى الأسعار ويقلّ دخلُك، هذا الذي يحدُث، متى ننتمي إلى المجموع؟ تقول: أُمةٌ متخلفة، نعم هذا قَدرُنا، أُمةٌ فقيرة، نعم، ما عندنا ثروات، نعم قَدرُنا، دولةٌ  نامية، نعم، لكن ما عندنا وعيٌ؟!! إلى هذه الدرجة!

2 – عدمُ ترشيد استهلاك الماء:

أيُّها الإخوة: الآن الماء، الذي قاله مدير الماء: إنَّ استهلاك دمشق من الماء سبعمئة ألف مترٍ مكعبٍ في اليوم، وكل مصادر المياه بما فيه نبع الفيجة، ونبع بردى، والآبار العديدة جداً المحفورة في دمشق، مجموعها أربعمئة ألف، فعندنا ثلاثمئة ألف متر مكعب عجزٌ يومي، إذاً هناك قطعٌ للمياه، وقد قُدِّمَت دراسةٌ للدول المجاورة الواعية، فتفاجأنا أنَّ استهلاك المواطن للماء في الدول الغنية، ذات الدخل الفلكي، أقلُّ منّا بأربعين بالمئة، فلو استهلكنا الماء كما تستهلكه الدول الغنية جداً، لما انقطعت المياه إطلاقاً، بل لتوفَّرت المياه أربعاً وعشرين ساعةً، وأنا أكاد لا أُصدِّق، إلى هذه الدرجة عندنا تخلفٌ في الوعي!!
أيُّها الإخوة الكرام: الذي أتمنّى أن يكون واضحاً لديكم أكثر من ذلك، الخُطبة عن الوعي فقط، أنت فقيرٌ نعم، لكن من دون وعيٍ تزداد فقراً، متخلفٌ، نعم، لكن من دون وعيٍ تزداد تخلفاً، الأسعار مرتفعة، ومن دون وعيٍ تزداد ارتفاعاً، الدخول تَقِلّ، ومن دون وعيٍ تزداد قِلَّةً.

3 – إنه مرضٌ من السهل جداً تلافيه لكن أين الوعي؟ 

هناك مرضٌ شرحته سابقاً، للدلالة على ضعف الوعي، هو مرض "التلاسيميا" مرضٌ يُصيب الدم، يحتاج المريض بهذا المرض، منذ الولادة وإلى أن يموت إلى تبديل دمه كل أسبوعين، فهل يستطيع أبٌ في الأرض كلها أن يُنهي حياة ابنه؟ لا يقدِر، فإذا كان طفلٌ مريضٌ بهذا المرض، يحتاج إلى تبديل دمه كل أسبوعين، فقد قدَّروا قيمة الدم في السنة بأربعمئة ألف ليرة، قلت في نفسي: هذا الطفل الذي معه هذا المرض عاش عشرون سنة، وضربت الأربعمئة ألف بعشرين، كم مريضٍ عندنا في القطر؟ ألفان، فضربت ألفين فكانت النتيجة مئة وستين ملياراً، يدفع المواطنين شاءوا أم أبوا، يضطرون إلى أن يبيعوا أثاثهم حتى لا يموت ابنهم، مئة وستون ملياراً يدفعونها ثمن دمٍ لمرضٍ من السهل جداً أن نتلافاه، كيف؟ 
يوجد في القطر مليوني شخصٍ حاملِ لهذا المرض، فإذا تزوج حامل هذا المرض بفتاةٍ ليست حاملةً لهذا المرض، يعيش حياةً طبيعيةً كاملة من دون أي إشكالٍ، مثل أي إنسانٍ، لكن لو تزوج امرأةً، ولم يطالبها بالفحص، أو فتاةٌ تزوجت ولم تُطالبه بالفحص، وكان هو حاملاً وهي حاملةً لهذا المرض، إذا أنجبوا أربعة أولادٍ، كان أحدهم مريضاً، واثنان حاملين للمرض، والرابع مُعافى.
زارتني لجنةٌ من أطباءٍ محترمين قبل شهرين، ومع الزيارة والد إحدى الفتيات المريضات بهذا المرض، حكى لي المُعاناة، والله شيءٌ فوق طاقتنا، هناك جهازٌ ثقيل يوضَع على صدرها ويوضع فيه الدم، ويُبدِّل الدم آلياً كل أسبوعين إلى أن تموت، وكل سنة أربعمئة ألف، والذي راتبه في الشهر عشرة آلاف ليرة سيُصبِح متسولاً، أليس كذلك؟
يا إخوان: نحن عددُنا ثمانية عشر مليوناً، وعندنا ألفا حالةٍ، لأن الوعي غائب، وليس هناك فحصٌ للدم، يقول لك: توكل على الله! فإذا كان عندنا ألف عقد زواجٍ، فإنَّ تسعمئة وتسعين عقداً بتقريرٍ طبيٍ صوري، شكلي لا يعني شيئاً، لو كان التقرير حقيقياً انتهى الأمر.
اسمعوا هذه الموازنة، نحن عندنا ألفا حالةٍ وتكلف مئة وستين مليار ليرة، في إيطاليا التي عدد سكانها سبعون مليوناً فيها أربع حالاتٍ فقط، هذا من الوعي، اترك الفقر، نحن فقراء لكن ما عندنا وعيٌ، لا تقبل أن تزوج ابنتك من إنسانٍ حتى لو كان وليّاً، قُل له: نحن نريد فحصاً، هو ينجو وابنتك تنجو، هذه اللجنة جزاها الله خيراً، تألَّفت قبل سنواتٍ من أجل متابعة هذا المرض، ومن أجل استصدار قوانينٍ، تمنَع عقد قرانٍ إلا بعد الفحص لهذا المرض.

4 – أين الوعي إذا تعلَّق الأمرُ بمرض السُكَّر؟ 

أيُّها الإخوة: شيءٌ آخر، قبل أيامٍ زارتني جمعيةٌ خيرية تعنى بمرضى السُكَّر، كُنّا في الجامعة، قال لنا أستاذ الجامعة وهو عالِمٌ كبير: مرض السُكَّر مرضٌ يمكن أن نتعايش معه، يمكن أن تضبِط طعامك وغذاءك فتعيش عمراً بكامله من دون مضاعفات، ما مضاعفات هذا المرض؟ 
أكبر خطرٍ منه بتر أحد الأعضاء، "الغرغرينا"، وهناك خطرٌ ثانٍ هو الفشل الكلوي، تحتاج كل أسبوع ثلاث مراتٍ إلى غسيل الكِلى، وكل مرةٍ ست ساعاتٍ، وكل مبلغ ثلاثة آلاف ليرة، أي تسعة آلاف ليرة كل أسبوع، وأربع وعشرين ساعة مُضجعاً على سريرٍ ليُبدَّل دمك.
انظُر إلى السؤال ما أدقّه: كم مريضاً عندنا في دمشق؟ عندنا خمسمئة وخمسين ألف مريض، ودمشق فيها خمسة ملايين نسمة، كم من هؤلاء المرضى يُحوَّل إلى بتر عضوٍ، أو إلى فقد بصرٍ، أو إلى شللٍ، أو إلى فشلٍ كلوي؟ اثنان وسبعون بالمئة، أمّا في ألمانيا، كم مريض سُكَّر يتحوَّل إلى بتر عضوٍ، وإلى فقد بصرٍ، وإلى فشلٍ كلوي، وإلى شللٍ؟ أربعة بالمئة فقط، يمكن أن يعيش الإنسان مع مرض السُكَّر كل حياته بشرط الضبط، هذه الأرقام مؤلمة.
الخطبة عن الوعي فقط، أُريد وعياً، نحن فقراء، نعم، ودولةٌ نامية، نعم، عندنا مليون مشكلة، نعم هذا قَدرُنا، لكن ما عندنا وعيٌ فنزداد فقراً، ونزداد قهراً، وتزداد الأسعار ارتفاعاً، وإذا لم تُرشِّد استهلاك الطاقة فهناك ضرائب، وقد كُنّا ندفع ثلاثمئة، الآن ثلاثة آلاف، تأتي الفاتورة باثني عشر ألفاً، ولمّا نُرشِّد استهلاك الطاقة، نوفِّر مولِّدة ثمنها خمسمئة مليون دولار، واستهلاكها من الوقود نصف المبلغ كل سنة. 

مرض السُكَّر وصيام رمضان:


الآن ما علاقة مرضى السُكَّر برمضان؟ مريض سُكَّرٍ يُحب الله كثيراً، و يجب أن نُحب الله، ويجب ألا نُحب سواه، لكن هناك جهلٌ، الله عزَّ وجل قال:

﴿ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184)﴾

[ سورة البقرة ]

المريض يُفطِر، يأتي مريض السُكَّر فلا يُفطِر، واحتمال تحوُّل مريض السُكَّر إلى فشلٍ كلوي كبيرٌ جداً، أو إلى بتر عضوٍ، هل من الطاعة أن نفقدك وأنت ربُّ أسرةٍ؟ هل من الطاعة لله أن نخسرك؟ أن تكون قعيد الفِراش؟ أن تُبتَر أحد أعضائك؟ أن تفقد بصرك؟ حتى تصوم؟! ألم يقُل النبي عليه الصلاة والسلام لمن رفضوا الإفطار في الجهاد، النبي أفطر وقد بلغه أنَّ أُناساً لم يفطروا فقال: 

(( أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَرَجَ عامَ الفَتحِ إلى مَكَّةَ في رَمَضانَ، فصامَ حتَّى بَلَغَ كُراعَ الغَميمِ، فصامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعا بقدَحٍ مِن ماءٍ فرَفَعَه، حتَّى نَظَرَ النَّاسُ إليه، ثُمَّ شَرِبَ، فقيلَ له بَعدَ ذلك: إنَّ بَعضَ النَّاسِ قد صامَ، فقال: أولَئِكَ العُصاةُ، أولَئِكَ العُصاةُ، وفي رِوايةٍ زاد: فقيلَ له: إنَّ النَّاسَ قد شَقَّ عليهمُ الصِّيامُ، وإنَّما يَنظُرونَ فيما فعَلتَ، فدَعا بقدَحٍ مِن ماءٍ بَعدَ العَصرِ ))

[ صحيح مسلم ]

قبل أن تصوم راجع طبيبك، يوجد تعليمات دقيقة جداً، إذا كان عندك نسبةُ سُكَّرٍ مُستقرة فصُم، وإن كانت غير مُستقرة فلا تصُم، أنت في طاعة الله إذا أفطرت، أنت مِلكُ أولادك.
الذي أتمنّاه في هذه الخُطبة موضوع الوعي فقط، تألمت ألماً لا حدود له، أموالٌ تُنفَق شئنا أم أبَينا، على الكهرباء، كلها قروض، و على الماء، و على الأمراض، نُريد بعض الوعي.
يا ترى الدين فقط صلاة؟ لا، الدين حياة، الدين هو الحياة، الدين صحة، الدين قوة، الدين استهلاكٌ أقلّ ومردودٌ أعلى، هذا الدين، وليس مردودٌ قليلٌ واستهلاكٌ أعلى، أعلى دولةٍ في العالَم باستهلاك الدواء في سورية، فهل تصدقون؟ نستورد ثمانية أمثال، الدواء غير الطعام والشراب، لا يوجد وعيٌ غذائيٌ إطلاقاً، لا تعرف ماذا تأكل، ويتعلَّق الناس بأشياءٍ مُستوردة، والشركات الغربية لا تخاف الله أبداً، تضع في هذه المشروبات مادةٌ تُعين على الإدمان، تتعلَّق بها، الفواكه بين يديك ورخيصة، تدَع صُنع ربِّنا الكامل إلى مشروباتٍ غازيةٍ ومُعينةٍ على الإدمان، اشرب لبناً، اشرب شيئاً طبيعياً، فكِّر ماذا تأكل.
تكلمت الأسبوع الماضي وقد التقيت بأخٍ في الشمال، جاءه ربحٌ قُرابة ثمانية ملايين من صفقة أغذيةٍ، لكنه رفضها لأنها من فضلات المسالخ، هذا المُسلم، من علامات إيمانك أن تعلَم ماذا يدخُل في جوفك، ومن علامات إيمانك أن تعلَم ماذا يخرُج من فمك، فهناك دخول طعامٍ، وهناك خروج كلامٍ.

(( إنَّ الرجلَ لَيتكلَّمُ بالكلمةِ لا يرى بها بأسًا يهوي بها سبعين خريفًا ))

[ صحيح البخاري ومسلم ]

أيُّها الإخوة: تحدَّثت عن مرضين فقط: "التلاسيميا" مرضُ دمٍ الذي يكلِّف المريض أربعمئة ألف إلى أن يموت، وعندنا ألفا مريضٍ بثمانية عشرة مليوناً، أمّا في إيطاليا من سبعين مليوناً أربعةُ مرضى فقط!
مرضى السُكَّر عندنا خمسمئة وخمسون ألفاً بدمشق، اثنان وسبعون بالمئة منهم، ينتهون ببتر عضوٍ، أو شللٍ، أو فقدُ بصرٍ، أو فشلٍ كلوي، وذلك من عدم الاهتمام، نُريد وعياً فقط، أمّا في ألمانيا أربع حالاتٍ بالمئة فقط تنتهي إلى بتر عضوٍ، أو فشلٍ كلوي، أو شللٍ، أو فقدُ بصرٍ، فالموضوع موضوع وعيٍ فقط.
وهناك دولٌ عندها أموالٌ طائلة، الهند دخلُها من البرمجة ثلاثة وثمانين ملياراً! أغلى من النفط، كومبيوتر فقط.
أنا مُضطر أن أذكُر طرفةً، ذهب أحدهم إلى بلدٍ غربي فوجد أدمغةً تُباع، هذا ليس معقولاً، أدمغةٌ بشرية! فسأل هذا الدماغ ما ثمنه؟ قالوا: هذا من دولةٍ عُظمى بدولارٍ، والثاني بدولارين، أمّا الدماغ العربي بألف دولار، فشعر باعتزازٍ لا حدود له، وسأل لماذا هذا غالٍ؟ قالوا: لأنه ما اشتغل.
نحتاج إلى الوعي فقط، الدين وعي، الدين صحة، الدين نشاط، الدين إنتاج، الدين يد عُليا، الدين تفوُّق، الدين صناعي، تجد المُسلم آذِن، أو ضارب آلةٍ كاتبة، أو مُراسل، أمّا الذي لا دين فيه تجده صاحب مشروعٍ صناعيٍ ضخمٍ، معه مليارات، لِمَ لا يكون المُسلم غنياً فيحل مشاكل الأُمة؟‍!
أنا أبثُّ في الشباب روح الطموح، لا تقبَل أن تكون إنساناً عادياً، يجب أن تكون الأول في الجامعة، الأول في الدراسة، الأول في الثانوية، الأول في الكفاءة. 

مُلخَّص الخطبة:


أيُّها الإخوة: مُلخَّص هذه الخُطبة: نحن ينقصنا الوعي، وأنا والله أُرحِّب بتوجُّهٍ جديد في الدعوة إلى الله، أن تكون الدعوة وسيلةً لحل مُشكلات الأُمة، ولا يمكن أن نُقنِع الآخرين بديننا، اذهبوا وحلّوا مُشكلاتكم، عندكم بِطالة المُقنَّعة ستون بالمئة، والعادية بِطالةٌ كُليَّة أربعون بالمئة، عندكم أُميَّة أربعون بالمئة، عندكم عنوسة خمسون بالمئة، عندكم اقتتالٌ داخلي، قبل أن تُقنعونا بدينكم حلّوا مُشكلاتكم.
كما قلت في الخُطبة الماضية: لا يمكن للغربي أن يفتح القرآن، لكن يُدنِّسه، لا يمكن للغربي أن يفتح كتاب حديثٍ، أن يفتح صحيح البخاري، الغربي يرى الإسلام من خلال المسلمين، يقول لك: هُم متخلفون.
الآن والله يا إخوان: ماذا أقول لكم؟ ما مِن دولةٍ في المنطقة ضد الدين، أعنف من دولةٍ فيها رئيس الوزارة لأنه سمح بالأذان باللغة العربية شُنِق، لا يوجد أعنف من هذه الدولة ضد الدين، والآن المرأة المُحجَّبة دخلت القصر الجمهوري، اسطنبول تشرب الماء في الأسبوع ساعةً أو ساعتين، هذا كلام أخٍ من إخواننا مُقيمٌ هناك، صنع عشرة سدود فأصبح الماء مستمر، اندهش العلمانيون أعداء الدين، الأسعار انخفضت، الديون قلَّت، العملة ارتفعت، فأقنعوا أعداءهم، فاستلموا الحُكم كله، ما تكلموا بالدين ولا كلمة، الآن اسكتوا، لا تقولوا: إسلامنا عظيم، طبعاً إسلامنا عظيمٌ جداً، لكن لم يعُد أحدٌ يقنَع بكلامك، المسلمون متخلفون، الآن اسكتوا نُريد إنجازاً. 

هذا هو المسلم الذي نريده:


كُنّا في سهرةٍ البارحة في جمعيةٍ في بلدةٍ، بَنوا أربعة أبنيةٍ، يؤجَّر البيت فيها بألفي ليرةٍ للشباب المؤمن، هذا عمل، نحن كان عندنا ثلاثمئة وخمسون جمعيةً خيريةً، الآن عندنا ثلاثة آلاف وخمسمئة جمعية، اشتغِلوا وقدِّموا شيئاً، أوقفوا الكلام رجاءً، الكلام والله لم يعُد يُجدي، والله أكبر همٍّ يُهمني بماذا سأتحدَّث هذه الجمعة، لم يعُد هناك شيءٌ أقوله، نريد عملاً، أُريد طالباً مُتفوقاً الأول، وصناعياً يُتقِن صَنعته فنستغني بها عن الاستيراد، أُريد مُزارعاً لا يُتلِف لنا صحتنا بوضع الهرمونات، أُريد موظفاً لا يُعرقِل مصالح المواطنين، أُريد إنساناً يُقدِّم خدماتٍ.
 الذي أراه ينبغي أن نصمُت نهائياً، قدِّموا عملاً، دولةٌ عنيفةٌ بشكلٍ يفوق حدَّ الخيال، لا يُصدَّق، لأنَّ الأذان فيها بالعربي شُنِق كما تعلمون، والآن مَن صوَّت لهم؟ العلمانيون، وملكوا كل شيءٍ، ولكن ليس بالكلام، ليس بقولنا: نحن أُمةٌ عظيمة، وديننا عظيم، ألغوا الرشوة، خفَّضوا الديون، رفعوا سعر العملة، والفائض من ميزانية اسطنبول مليار، وكان العجز مليارين، وبَنوا عشرة سدودٍ، قدَّموا إنتاجاً، هذا منهجٌ رائعٌ جداً، أن تُلغي الكلام وتُقدِّم عملاً، نحن أُمةٌ مُتحضِّرة.
والله يا إخوان سأضرِب مثلاً قلته كثيراً: أحدُهم كان في جامعٍ لا أحد فيه، وهناك مِعطفٌ مُعلَّق، وهناك بابٌ، نظر إلى الباب، ثم قام إلى المِعطف، وسحب منه ألف ليرةٍ ووضعها في جَيبه، صورناه، يمكن أن تفسَّر الصورة أنه سارق، أمّا إذا علمت أنَّ هذا الإنسان هو الذي بنى هذا المسجد، وهذا معطفه، ولمح فقيراً، فقام إلى المعطف وأخذ ألف ليرةٍ ليُعطيها للفقير، ألم تختلف الصورة؟ نحن مسلمون على الصورة الثانية، لكن عند الغرب على الصورة الأولى، متخلفون، قتلة. 

لا تُحل مشكلاتنا إلا بالإيمان والخوف من الله: 


والله الكلام لم يعُد يؤثِّر، لا تتكلم إطلاقاً، أتقِن عملك، وهناك معاملٌ يضعون مادة السبيداج بالطحينة لتصبح بيضاء فيرتفع سعرها! لا يهمه الناس، وهو يُصلّي، وله شيخٌ، الطحينة بمادة السبيداج تصبح بيضاء فيزداد سعرها عشر ليراتٍ، فيكون قد ألغى كل عباداته.
الطبيب أحياناً هناك ستاندٌ أثناء العمل الجراحي، نكسته عشرون بالمئة، ولكن عمولته عشرة آلافٍ، يُعطونه عشرة آلافٍ إذا اشتراه، وهناك ستاندٌ آخر لا عمولة له ولكن نكسته ثلاثة بالمئة، عندما يُركِّب الطبيب ستاند بشريانٍ في القلب ليس له عمولة، ونكسته ثلاثة بالمئة، يكون يعرف الله، وإذا ركَّب ستاند الذي له عمولة عشرة آلافٍ، يُلغي صلاته وصيامه وحجَّه وزكاته، الدين ليس في المسجد، الدين بعيادتك، وبدُكانك، وجدت فأراً في الزيت، مَن يدري بها، فتبيع الزيت! مَن يدري بها إلا الله عزَّ وجل، أمّا المؤمن لا يبيع هذا الزيت بل يرسله لصناعة الصابون. 
يا إخوان: لا تُحل مشاكلنا إلا بالإيمان والخوف من الله، تقول لي: ضميرٌ مسلكي، تربيةٌ بيتية، كله كلامٌ فارغ، إذا كنتَ تخاف من الله تستقيم.
أنا حضرت هذه الندوة، وألقيت كلماتٍ طيبة والحمد لله، وتألمت ألماً شديداً من هذه المعلومات، نحن إلى متى متخلفون؟ إلى متى نشكو؟ إلى متى نقول: يا ربّ، اللهم دمِّرهم، وهُم لا يُدمَّرون، اجعل بأسَهم بينهم، وبأسُنا بيننا نحن، هُم يتعاونون بأعلى درجةٍ من التعاون، تدور في أوروبا كلها بلا هويةٍ، ولا جواز سفرٍ، تنتقل العملة والبضائع والمعامل، ونحن عندنا حواجزٌ بعدها حواجز وحواجز.
الموضوع خطير، ليس الموضوع أنا ذاهبٌ إلى المسجد لأُصلّي، نحن نمشي بطريقٍ خطيرٍ جداً، إذا ما صَحونا لن نتقدَّم.
مثلاً: إذا تساهل كل أبٍ مع خاطب ابنته، لكنه لا يتساهل، يريد بيتاً في الشام، والبيت في الشام ثمنه ثمانية ملايين، أو ستة ملايين، عنده بيتٌ يبعُد عن مدينة المزة عشرة كيلو مترات، لا يقبَل، يطرده، إذاً تفضَّل، هناك سبعون بيت دعارةٍ في الشام.

(( إذا جاءَكُم مَن تَرضَونَ دينَهُ وخُلقَهُ، فأنكِحوهُ، إلَّا تَفعلوهُ تَكُن فِتنةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كبيرٌ، وفي روايةٍ: عَريضٌ: قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ وإن كانَ فيهِ قالَ: إذا جاءَكُم مَن تَرضَونَ دينَهُ وخلقَهُ فأنكِحوهُ قالَها ثَلاثَ مرَّاتٍ ))

[ أخرجه البخاري والترمذي والبيهقي  ]

رقمٌ مخيف، إمّا نكاحٌ و إمّا سفاح، نحن نسمع الدرس ونقول: والله شيءٌ جميل، جزاه الله خيراً، درسٌ يأخُذ العقل، ولكن أنت لا تُطبِّق منه شيئاً، فلا قيمة لسماعك، ولا يُقدِّم شيئاً.
أيُّها الإخوة الكرام: أرجو الله سبحانه وتعالى أن يُلهِمنا الصواب.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله. 

* * *

الخطبة الثانية:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين. 

قرار مجمع الفقه الإسلامي حول سوق الأوراق المالية والبضائع (البورصة)


أيُّها الإخوة الكرام: الغرب يدفع لنا ثمن النفط، وهل تصدِّقون أنه يستَرِدَّه منّا بشكلٍ آخَر عن طريق البورصات.
في بلدٌ إسلامي قبل شهرين أو ثلاثة، كم إنسانٍ دخل إلى المستشفى من أزمةٍ قلبية؟ ثمانية وثلاثون ألفاً، حدث انهيارٌ بثمانين مليار دولارٍ بالبورصة، فكان الواحد منهم معه أسهمٌ فصارت قيمتها بالنصف، ما الذي تم؟ 
أنا عثرت على قرارٍ لمجمع الفقه الإسلامي، المُنعقِد بمكة المكرمة في ربيع الآخر لعام 1404 هجري، هذا القرار أنا فقط سأقرأه لكم، وتَنوروا أنتم، يقول:
أولاً: الآن الحديث عن البورصة، إنَّ العقود الآجلة التي تجري في هذه السوق، ليست في معظمها بيعاً حقيقياً، ولا شراءً حقيقياً، لأنه لا يجري فيها التقابُض بين طرفي العقد، فيما يُشترَط له التقابُض في العِوَضين، أو في أحدهما شرعاً. 
ليست عقود شراء، ولا عقود بيع، بل عقود مُقامرة، يدفع بالمئة عشرة، والمال باسم الضامن، البنك الضامن يُبلغه بعد أسبوع، يقول له: ارتفعت ثمانية سنتات، فيقول: بعت، جاءه ربحٌ ألفي دولار، تُضاف إلى العشرة آلاف، بعد أسبوعٍ يُخبره أنه نزل ثمانية سنتات، يقول له: خسرت ثلاثة آلاف، بقي تسعة، هو بماذا يفكر؟ أنَّ صفقة بمئة ألف دولار، يدفع فقط عشرة بالمئة، هذا اسمه ربح الهامش، ليس هناك إنسانٌ يشتري شيئاً بنية يستورد ويطرحه في السوق، ولا هناك إنسانٌ يبيع، البيع مُقامرة، والشراء مُقامرة، هكذا جاء في القرار. 
ثانياً: أنَّ البائع فيها غالباً يبيع ما لا يملِك، من عمولاتٍ وأسهمٍ وسندات، أو قروضٍ أو بضائع، على أمل شراءه من السوق، يبيع قبل أن يشتري، وهذا مخالفٌ للشرع، وتسليمه في موعده، دون أن يقبض الثمن عند العقد.
وأنَّ المُشتري فيها غالباً يبيع ما اشتراه لآخَرٍ قبل قبضه، والآخَر يبيعه أيضاً لآخَر قبل قبضه، وهكذا يتكرر البيع والشراء على الشيء ذاته قبل قبضه، يُباع مئة مرة، وما أحد قبَض ولا أحد دفَع، فقط مُقامرة عن طريق البضائع، إلى أن تنتهي الصفقة إلى المُشتري الأخير، الذي قد يرغب باستلام المبيع من البائع الأول، الذي يكون قد باع ما لا يملِك، أو أن يُحاسِبه على فرق السعر، هذه مُقامرة بالبضائع. 
ما يقوم به المُتمولون من احتكارٍ للأسهُم والسندات والبضائع في السوق، للتحكُّم في البائعين الذين باعوا ما لا يملكون، باع قبل أن يملِك، فيرفعون السعر عليه فلا يربح.
الآن بيت القصيد في هذا الموضوع، وهذا قرار مجمع فقهي إسلامي، اشترك فيه سبعون دولةً إسلامية، وليس كلاماً للتسلية، بل هو كلام علماء، إنَّ خطورة السوق المالية هذه، تأتي من اتخاذها وسيلةً للتأثير في الأسواق بصفةٍ عامة، لأنَّ الأسعار فيها لا تعتمد كلياً على العرض والطلب الفعليين، من قِبَل المُحتاجين إلى البيع أو إلى الشراء، وإنما تتأثر بأشياءٍ كثيرة، بعضها مُفتعَلٌ من قِبَل المُهيمنين على السوق، أو من المُحتكرين للسلع، أو الأوراق المالية فيها، كإشاعةٍ كاذبة أو نحوها، وهُنا يكمُن الخطر المحظور شرعاً، لأنَّ ذلك يؤدّي إلى تقلباتٍ غير طبيعيةٍ في الأسعار، مما يؤثِّر على الحياة الاقتصادية تأثيراً سيِّئاً، ولم آتِ بعد إلى بيت القصيد.
وقد ضرب المجمع الإسلامي مثلاً، لكن دققوا فيه جيداً: يعمَد كبار المُمولين، إلى طرح مجموعةٍ من الأوراق المالية من أسهُمٍ أو سنداتٍ أو قروض، يطرحوا كميةً كبيرةً هُم مالكوها، فيهبِط سعرها لكثرة العرض، هؤلاء هُم كبار الممولين، فماذا يفعل صغار المُشترين؟ يكون الواحد منهم معه مئة سهمٍ، إذا ما باعه ستنزل قيمة السهم أكثر، فخشية هبوط السعر أكثر، يأتي الصغار فيعرضون كل شيءٍ عندهم للبيع، فيهبط سعرها مُجدداً بزيادة عرضهم، فيُصبِح سعر السهم في الحضيض، يكون بثمانين فيصبح بعشرة، خسر ثمانية أمثال، فيعود الكبار إلى شراء هذه الأوراق بسعرٍ أقلّ، فيكون الكبير قد جمع مئة مليون بهذه اللعبة، والصغير معه دراهم ذهبت منه.
هذا يُفعل بنا كل وقتٍ، هذه مشكلة البورصة، دعكَ من أنَّ فيها مخالفةٌ شرعية، ليس هناك تقابُضٌ، ولا بيعٌ حقيقي بل بيع مُقامرة، دعكَ من كل هذا الآن، هذه لعبةٌ في كل شيء. 

كل ما نأخذه ثمن نفط يستردونه عن طريق البورصة


والله قرأت كتاباً لعالِمٍ اقتصاديٍ كبير، الكتاب مُلخَّصه: أنَّ كل ما أخذناه من الغرب ثمن النفط، استردوه عن طريق البورصة.
 ففي آخر شهرين دخل إلى المستشفى بأزمةٍ قلبية، ثمانية وثلاثون ألف إنسانٍ، انهاروا، كبار المُمولين بعد أن يستقر السوق على سعرٍ عالٍ، يطرحون شيئاً مُغرياً، فلمّا طرحوا الأسهُم للبيع نزل السعر، فالذي عنده مئة سهمٍ لا يملك غيرهم، وهو يُتابع الأخبار في الفضائيات أو الإنترنت، يهبِط قلبه فيموت، فالذي معه مئة سهمٍ يُسارع إلى بيعهم، وبعد أن عرض أسهمه الصغيرة للبيع، نزل السعر أكثر حتى صار السعر في الحضيض، عندها الحيتان العمالقة المُجرمين يشترون كل الأسهُم، ويكونوا قد أخذوها بسعرٍ بخس، ثم يمنعون العرض، فترتفع وترتفع.
وهذا الصغير، ثلاثمئة ألف إنسانٍ اشتروا أسهُماً بالمليارات، صار ثمنها العُشر، ففقَد ثروته كلها، الأول جاءه مئتا مليون دولار، والثاني خسر، واللعبة عمرها شهرين ليس أكثر، إلى هذه الدرجة نحن سُذَّج؟ إلى هذه الدرجة عندنا غباء؟ إلى هذه الدرجة ملّكناهُم أمرنا؟ أنشئ معملاً، أو مصلحةً، استصلِح أرضاً، اعمل مزرعةً وازرع أشياءً نحن بحاجةٍ إليها، سبحان الله هناك غباءٌ بلا حدود!! 

لمثل هذا يموت القلب من كمد:


أنا والله مُتألم، قلت لكم مرةً: سورية فيها مئة وخمسة وثمانون ألف كيلو متر مربع، هذه مساحتها، ربع هذه المساحة صالحةٌ للزراعة فقط، والمزروع منها ربع الربع، أي واحد على ستة عشر من مئة وخمسة وثمانين ألفاً، من فضل الله عندنا ستة ملايين طن من القمح كل سنة، واستهلاكنا مليون، في القطن نحن بالدرجة الأولى، أول مُصدِّرٍ تقريباً، في الزيتون تسعون مليون شجرةً عندنا، رابع دولة في العالم، وفي الحمضيات سبعمئة ألف طن إنتاجنا، على واحد من ستة عشر من مئة وخمسة وثمانين ألف كيلو متر مربع.
حدَّثني مرةً سفير السودان قال لي: عندنا اثنان ونصف مليون كيلو متر مربع صالحةٌ للزراعة، ومياه النيل تسعة أعشارها تذهب إلى البحر، يوجد ماءٌ وتربةٌ صالحة، ويحتاجون إلى ثمانية مليارات دولار بُنيَةٌ تحتيَّة، أمّا المسلمون فأموالهم ألف مليار في أمريكا، هذه أُمةٌ؟! هل هذه أُمةٌ تستحق الحياة؟!
أنا أوقفت المديح نهائياً، أوقفت مديح المسلمين نهائياً، سامحوني، لم يعُد عندي مديحٌ نهائياً صار عندي ذم، لأنه شيءٌ غير معقول، وصلنا إلى القاع، نبقى نمدَح الأُمة، أي أُمةٍ هذه؟ هذا كلامي قاسٍ، سامحوني أنا مُتألمٌ جداً، متى أجد المسلمين متوحدين، خمسمئة قتيلٍ كل يومٍ إلى جانبنا، هذا فوق طاقة البشر، يُتمٌ، ترمُّلٌ، قهرٌ، فقرٌ، لا ماء ولا كهرباء ولا وقود. 

هذا الذي أنت مُكلَّفٌ به:


لذلك أيُّها الإخوة: هذا الحديث يجب ألّا يُنسى، هذه الخُطبة يجب أن تدفعنا إلى العمل، لا أُكلِّفُك فوق طاقتك، أُكلِّف الطالب أن يجتهد، أُكلِّف الذي عنده محلٌ تجاري أن يُتقِن عمله فينفع المسلمين، أُكلِّف الموظف أن يخدِم الأُمة فلا يبتز أموال الناس، أُكلِّف الطبيب أن يُخلِص للمريض، والمحامي ألّا يأخُذ دعوى خاسرة سلفاً، فيبتز مال الموكِّل، أُكلِّف أصحاب المِهن أن يتقوا الله عزَّ وجل حتى نتماسك، هذا الذي عندي. 

الدعاء:


اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل مَن واليت، ولا يعزُّ مَن عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم هَبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطِنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا.
أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمِنّا مكرك، ولا تهتِك عنّا سترك، ولا تُنسِنا ذكرك يا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِّ كلمة الحقِّ والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير. 

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور